ابن رشد

17

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

وإذا كان لنا أن نميز " الكلام " الذي أصّله واصل بن عطاء عن الذي مورس قبله من طرف المتكلمين الأوائل ، أمثال غيلان الدمشقي ومعبد الجهني الذين طرحوا قضايا سياسية بمفاهيم دينية ، مثل " القدر " ( حرية الاختيار وبالتالي المسؤولية ) و " الإيمان " ( هل هو مجرد قول باللسان وتصديق بالقلب أم أنه قول وتصديق وفعل ؟ ) و " مرتكب الكبيرة " ، إلى غير ذلك من المفاهيم التي كانت تعكس الصراع السياسي مع الأمويين والخوارج والتي أدخلها المعتزلة في مفهوم " العدل " ( العدل الإلهي : الله لا يفعل إلا الصلاح والناس يتحملون مسؤولية أفعالهم الخ . . ) ، إذا كان لنا أن نميز " الكلام " الذي مارسه واصل بن عطاء وأصحابه ، عن الذي مورس قبله ، أمكن القول إن " الكلام " قبل واصل كان يدور أساسا في " العدل " ، أما مع واصل وتلامذته المباشرين فقد صار " الكلام " في " التوحيد " - إلى جانب - قضية أساسية ، وذلك لأنه كان عليهم أن يتصدوا للرد على المانوية وغيرهم من الذين يقولون بالتعدد في الألوهية ، والذين هاجموا الإسلام من خارجه من أصحاب الديانات والملل والنحل ، أولئك الذين " تكلموا " في الإسلام بكثير من الحرية في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي . من هنا ، أعني من الاحتكاك والجدال مع العقائد غير الإسلامية بدأ " الكلام " في العقائد الإسلامية يبتعد عن الخطاب السياسي المباشر وأفقه الخاص والمحدود ، ليرتبط بمجال أوسع ، مجال الكلام " المقارن " - إذا صح التعبير - حيث تتحول العقائد من " عقائد السلف " ، تنتقل بالرواية وتعتمد على الثقة في الراوي ، إلى عقائد " النظر " و " الدراية " ، تقطع الصلة بين قائلها وراويها ، لتتحول إلى " مرجع " للتفكير : للنفي والإثبات ، للحجاج والنظر . وقد ركز المتكلمون جهدهم في هذا المجال على الدفاع عن " التوحيد " ، الذي يشكل قوام العقيدة الإسلامية ، وإبطال الشرك والتعدد في مجال الألوهية . ولم يكن الرد على الذين هاجموا الإسلام أو جادلوه في حواضره الكبرى كالكوفة والبصرة وبغداد من مانوية وغيرهم هي المهمة الوحيدة التي قام بها المعتزلة أصحاب واصل ، بل لقد تجاوزوا الرد والدفاع إلى " الهجوم " . لقد بعث واصل رجالا من أصحابه وتلامذته إلى أنحاء مختلفة شرقا وغربا يدعون إلى مذهبه : كان منهم من قصد المغرب ونشر الاعتزال فيه من تاهرت إلى طنجة ، ويقال إن إدريس بن عبد الله مؤسس الدولة الإدريسية إنما تمكن من النجاح بفضل ما كان قد نشره دعاة واصل من أصول الاعتزال ، وكانت ذات توجه معارض للحكم الأموي فوجدت صدى واسعا لدى المغاربة الذين كانوا يشتكون من عسف هذا